ربيع لبنان: الغاء قانون العفو عن زعماء الميليشيات

نشر في‫:‬الأثنين, ايار 21, 2012 – 12:25
الكاتب/ة: مهند الحاج علي
المصدر‫:‬ النهار

في ظل النظام اللبناني الحالي والسيطرة المحكمة عليه من جانب هذه الطبقة السياسية، من الصعب تحقيق أي اختراق انتخابي أو مطلبي. لكن التجارب الدولية في هذا المجال تقدم لنا درسين ناجحين.

لماذا غاب لبنان عن الثورات العربية؟ الأجوبة على هذا السؤال الملحّ راوحت خلال السنة الماضية بين القاء اللوم على الشعب المتشتت والمتناحر مذهبياً وطائفياً، والحديث عن طبيعة النظام الطائفي واستعصائه على السقوط. ناهيك عن ادعاء أطراف لبنانية بأن ربيعنا حلّ أو أن حلوله رهن حسم الصراع السعودي – الايراني المُزمن الذي بات نظاماً بحد ذاته تغذي أطرافه بعضها بعضاً، وتحوّل حاضنة لصنف من السياسيين لا يمكنه العيش بدونه وبدون ريعه المالي المرتفع.

إلا أن أحداً لم يتناول التوصيف المحرّم للمشكلة البنيوية في هذا البلد، ألا وهي انتقال مجرمي الحرب الأهلية اللبنانية بثقافتهم الميليشيوية الى سدة السلطة بمعاونة النظام السوري المهيمن عسكرياً وسياسياً حينها، وعبر بوابة “قانون العفو”. هذا المقال محاولة لاستشراف هذه المشكلة البنيوية وآفاق تغيير واسع في لبنان.

خلال العقود القليلة الماضية، شهد مجال حل النزاعات والصراعات مراجعات مهمة على وقع الحروب في البلقان وأفغانستان، والدمقرطة في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، ولا سيما بعد فشل بعض التجارب. بيد أن الدول التي انتقل فيها أمراء الحروب الى سدة الحكم، أظهرت فساداً كبيراً في عمليات اعادة الإعمار، ومحاصصة لموارد الدولة هي أقرب للابتزاز بالعودة للحرب، علاوة على ارتهان للخارج لقاء ريع جيوسياسي. وهذا واقع ينطبق فعلاً على لبنان حيث أسس اتفاق الطائف عام 1989 لدولة محاصصة بين زعماء الحرب وعزز نفوذهم داخل الدولة على حساب نموها وقدراتها. وهكذا باتت شبكات هؤلاء الزعماء، وهي نسخ مُعدلة من ميليشياتهم سابقاً، تنهش من دولة ضعيفة، لتقوى هي، ككتل طفيلية حولت الجسد الحكومي هيكلاً لا كيان منفصلاً له، ولا يقوم إلا بها مجتمعة.

والمفارقة أن عرّاب الحالتين الأنقى لهذا النمط من الفشل الانتقالي، وهما لبنان وأفغانستان، كان الديبلوماسي الجزائري الأخضر الابرهيمي. إن اتفاقي الطائف وبون أسسا لعملية انتقالية خالية من العدالة، وهو أمر اقتضى في لبنان تمرير قانون عفو عام عن جرائم الحرب المسؤولة عن إبادة خمسة في المئة من السكان واختفاء 17 ألفاً ذُبحوا على الأرجح وهم إما أسرى، أو مخطوفون.

ما هي هذه الشبكات وكيف تُحكم قبضتها على النظام اللبناني؟ شبكة زعيم الحرب تربطها العلاقات التنظيمية والحزبية والريعية (المستفيدة مادياً) والسياسية التي كانت قائمة ما قبل زمن السلم. تنقل هذه الشبكة ثقافتها الميليشيوية المبنية على الربح وتعزيز الجماعة وليس بناء الدولة، إلى المؤسسات الخاضعة لإدارتها أو هيمنتها.

وما يُعزز هذا السلوك الطفيلي، وهو واضح في لبنان، غياب المحاسبة أو على الأقل الاستخفاف بها. وبهذا يكون قانون العفو، وما تلاه من مشاركة لأطراف الحرب في الحكم، “الأب المؤسس” لهذه الثقافة. وهو حمل في إقراره رسائل ضمنية بينها مكافأة المشاركين في الحرب وأباطرتها ومجرميها وعصاباتها، وسيادة أساليب الحرب وثقافتها في زمن السلم. وهذا استنتاج لا يفوت على الباحث في لبنان وأفغانستان وغيرهما من الدول التي بُليت بمثل هذه الحل القاصر.

كيف نصحح الخلل؟ قد يبدو هذا الطرح بعد أكثر من عقدين على نهاية الحرب الأهلية اللبنانية (وإن كان بعضنا قد يحاجج بأنها استمرت بأشكال مختلفة ومتقطعة زمنياً) غير واقعي ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الاصطفاف الطائفي أو نفوذ زعماء الحرب أو ثقافة الاغتيال والعنف التي ما زالت سائدة. لكن توافر تجارب أخرى راهنة في أوروبا وأميركا اللاتينية عالجت قضايا العدالة المؤجلة عامل مشجع. كما أن أثر المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا في صربيا حيث ولّدت في أوساط بعض الناشطين الشباب مطالبات بالمحاسبة على نطاق أوسع، مشجع أيضاً.

وللمطالبة بالغاء قانون العفو العام في لبنان، وتبنيّه كشعار أساسي للتغيير، ميزات عملية، إلى جانب الحاجة الملحّة إليه للتغيير ولبناء دولة القانون وتعزيزها ونشر ثقافة المحاسبة. بين هذه الميزات أن هذا المطلب منفصل ومستقل تماماً عن المطالبة بإسقاط النظام الطائفي الذي، وعلى رغم تململ بعض العلمانيين منه، لم يخلق ثقافة الفساد وضعفاً للدولة خلال سنوات ما قبل الحرب (1943 – 1975) بالشكل السائد حالياً. إنما اللوم في تفكك الدولة عام 1975 يعود في المقام الأول الى انتقال منظمة التحرير الفلسطينية بمؤسساتها وقواتها الى لبنان، وارتفاع الريع المالي الخليجي، وانعكاساتهما على نمو جسد متكامل مُنافس للدولة. التبدلات الديموغرافية والمبررات السياسية عوامل ثانوية، إذ كانت موجودة عام 1958 ولم تنته الى ما آلت اليه عام 1975.

وبما أن رجال دولتنا في ما قبل عام 1975، لم يكونوا من أصحاب الثقافة الآنفة الذكر، كانت السياسات الاجتماعية حاضرة في قلب السياسة اللبنانية، من مطالبات بالانماء المتوازن وانقسام المجتمع سياسياً بين يسار ويمين وطبقات تبحث عن مصالحها، كما في أي دولة طبيعية في العالم.

والفروقات بين نظامي ما قبل الحرب وما بعدها، وبغض النظر عن إعادة توزيع الحصص في الطائف، تظهر تباعاً في هذا المنهج التحليلي. الثقافة الميليشيوية العابرة عبر بوابة قانون العفو أسست لدويلات قضت على ما تبقى من الديموقراطية اللبنانية. الريع الاقليمي للطبقة السياسية بات ركناً طبيعياً لعملها، إن كان خدماتياً أو للمؤسسات الاعلامية الموزعة غالباً على أركان السلطة. ومن المعلوم أن الرقابتين المالية والاعلامية على الانتخابات، هما المعياران الأساسيان لضمان نزاهتها. وهما، عندما يغيبان تماماً في لبنان عن الانتخابات، تتحول عملية الاقتراع طقساً فولكلورياً محسوم النتائج سلفاً.

هل هناك مجال لمواجهة هذا النظام؟ في ظل النظام اللبناني الحالي، والسيطرة المحكمة عليه من جانب هذه الطبقة السياسية، من الصعب تحقيق أي اختراق انتخابي أو حتى مطلبي في الشارع، على رغم أهمية التحرك وضرورته رمزياً، بغض النظر عن أعداد المشاركين. لكن التجارب الدولية في هذا المجال تقدم لنا درسين ناجحين.

الوسيلة الأولى، وهي ما يُتعارف عليها بـ”الولاية القضائية العالمية”، مُستخدمة ورائجة لدى بعض الناشطين الحقوقيين وبينهم ناشطون فلسطينيون نجحوا في منع أو عرقلة سفر مجرمي الحرب الاسرائيليين خشية ملاحقتهم قانونياً في جرائم ضد الانسانية. هذه الوسيلة محصورة زمنياً بالجرائم الواقعة بعد عام 1986، وتحديداً التعذيب نتيجة المعاهدة الدولية لحظره. في امكان شاهد واحد في قضية تعذيب ضمن هذه المهلة الزمنية، منع السياسي المتورط فيها من السفر للخارج عبر دعوى بسيطة لا تتطلب كثيراً من الجهد. استهداف أي مسؤول كفيل بأن يخيف البقية من السفر للخارج، ناهيك عن التسبب بفضيحة اعلامية. فاعلية هذا الحصار تكمن في حقيقة أن أموال المسؤولين مودعة غالباً في مصارف أوروبية وأميركية، إضافة الى امتلاكهم شققاً وفيلات فارهة في الدول الغربية. بعد استهداف الأفراد المتورطين، تبقى كياناتهم الحزبية، وهي متورطة بغالبيتها في الحرب والاستباحة التي تلتها. ولمكافحتها، لجأ الناشطون في الخارج الى إجراء تحقيق لخبراء دوليين معترف بهم بمساعدة أو تأييد من منظمات حقوقية كـ”منظمة العفو الدولية”، يُحدد المسؤولية في جرائم الحرب. سيُساعد إعداد مثل هذا التقرير على تحديد المسؤوليات والأحزاب والشخصيات الرئيسة المتورطة وتوثيق الجرائم، وقد يوفر مادة دسمة لكتابة التاريخ لاحقاً وتسجيل التجاوزات فيه. وفي الامكان إستخدام هذا التقرير من أجل قطع علاقات هذه الأحزاب مع القوى والمنظمات الدولية، وبالتالي عزلها.

سياسياً، سيوفر مثل هذا التحرك قاعدة للبنانيين الراغبين في الخروج من الدوامة الاقليمية والطائفية الضيقة للصراع في لبنان حيث تأخذ أشكالاً متعددة. كما سيوفر وسيلة لاستهداف “نخبة” باتت تسيطر على البلد منذ نهاية الحرب الأهلية، وتجدد الصراعات فيه، وتمنع بروز أي قوى سياسية جديدة خارج الاطارات المقبولة لديهم، ولا تدور في أفلاكهم. حان الوقت لربيع لبناني عبر تصحيح مسار قد يُعيدنا، لو واصلنا سلوكه، إلى نقطة الصفر: الحرب مجدداً.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.