كلنا “فطائس” في حرب “النواصب والروافض”

إنها “فطيسة”. “تمَّ الدعس”، تكبير!

هكذا تُبشِّرنا صفحات “فايسبوك” بضحية جديدة في حرب سُنيّة – شيعية باتت طبولها تُقرع بوتيرة متسارعة في لبنان. ولهذا الصراع مفرداته المبتذلة، من استخدام الطرفين كلمة “فطيسة” لإهانة قتلى الآخر، و”النواصب” (الوصف التحريضي ضد السُنّة) و”الروافض” (الوصف التحريضي للشيعة)، إلى عبارات أكثر بذاءة يُستحسن تجنبها رغم رواجها المؤسف. ولهذه الحرب صناعة إعلامية وسياسية ولها وجوهها ورجال دينها المعروفون وشبكات على الانترنت تتولى التنسيق بينها وبين المقاتلين على الأرض، إن كان في لبنان أم في سوريا. وهذه الإدارة المُنسّقة تظهر وكأن النزاع مشروع مُشترك وفقاً لاتفاق ضمني على القتال في فضاء مُحدد مبدئياً، لكنه لا بد أن يتوسع ولا يُمكن حتى تخيّل ضبطه.

في اتساع حرب “النواصب والروافض”، كما يحلو لكل طرف تسمية خصمه، ما يتجاوز “العفوية”، إعلامياً وسياسياً. قناة “الجزيرة مثلاً نشرت الاستطلاع الآتي لقرّائها: “مَن المسؤول عن تحويل الثورة السورية الى صراع شيعي سني؟”. ليس الجواب سياسياً، مثلاً “حزب الله” أم “جبهة النُصرة”، بل جماعياً تحريضياً: “الشيعة” أو “السُنة”. نتيجة التصويت لا تحتاج الى عبقرية، ٩٥.٧ ٪ قالوا إنهم الشيعة. استطلاع “الجزيرة” تلقينيٌّ، ويعكس سياسة إعلامية واضحة لدى أفرادها.

“الجزيرة” بذلك تُغرّد في سرب إعلامي توجهاته معروفة، ويضم قنوات ومواقع عديدة تحظى بتمويل إقليمي، تماماً كخصومها على الضفة المقابلة.

على الضفة المقابلة، قناتا “المنار” اللبنانية و”العالم” الإيرانية، وفيهما تحريض مُبطّن، كمثل حادثة تدمير مقام ديني في سوريا. في تقرير بعنوان “المسلحون في سورية يتباهون بنبش قبر الصحابي حجر بن عدي”، تنبش “المنار” بدورها تعليقاً نشرته صفحة وحيدة من عشرات آلاف الصفحات التابعة للثورة السورية، لاستعراضه أمام قرائها باستخدام التعريف. هكذا يصير مدير صفحة “تنسيقية الثورة السورية في درعا البلد”، ناطقاً باسم كل “المسلحين في سوريا”. أما قناة “العالم”، فتنشر مقالاتتحوي تحريضاً مذهبياً مباشراً، أو تنقل كلاماً مذهبياً لرجال دين دون استدعاء رد أو إدانة، وكذا تفعل قناة “العربية”.

ولصفحات الفايسبوك دينامية مختلفة. إنها مُباشرة في مذهبيتها ولا مواربة في خطابها التجييشي. واللافت أنها لا تعرف ساعة نوم وكأن هناك فريقاً متفرغاً لها يوزّع عمله على فترات. مثلاً، شبكات “أخبار طريق الجديدة” و”طرابلس الشام” و”جبل محسن” وصفحات “هنا الضاحية” و”أشرف الناس” و”شهداء المقاومة الاسلامية”، تسبق في أنباء جماعاتها وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة معاً، فصارت وكالات أنباء بحد ذاتها. صور “شهداء” الجانبين في سوريا تظهر على هذه الصفحات قبل تلفزيونات الأحزاب، بما يؤشّر الى ارتباط مباشر بدوائر أمنية وعسكرية لها. “هنا الضاحية” مثلاً تنشر أنباء القتال في سوريا بشكل لاهوتي: “اشتباكات بين رجال الله والنواصب … الرجاء الدعاء”.

وتقابلها “طريق الجديدة” بكلمةٍ لرجل دين عن “نزول الروافض الى الشام”.

الإنجاز في هذه الصفحات “جُثّة” للاستعراض والتباهي والتكبير. إنها “الفطيسة” ينشرون صورها مع دعوة بالتكبير لجمهور ينتشي بالموت والدم. بدأ الأمر بالعسكر، ثم جاء اليوم دور المدنيين. مكامن مسلحة واحتفالات بمقتل المدنيين حتى الأطفال بينهم. ولعل بين أكثر الضحايا المدنيين رمزيةً كان سقوط الطفلة جنا كمال الدين (٩ سنوات)، ابنة زواج علوي-سني، في اشتباكات طرابلس العام الماضي.

حرب السُنّة والشيعة ليست بريئة ولا عفوية، إنها نتيجة جهود مُضنية وتمويل موجَّه من طرفي الصراع، وأكثر ضحاياها الأبرياء. كلنا “فطائس” في حرب “النواصب والروافض”.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.