هيّا إلى “الجهاد” في سوريا

 

من الصعب تجنّب التأمل في صور جنائز المقاتلين في سوريا. فيها ما يشدّك إليها. هناك فيها ما هو أبعد من الجنازة ذاتها، إنها صورة مجتمع شبه عسكري يحتفل بموت شبابه. في الصور، حزن الأهالي، كبكاء الرجال في المجتمعات الذكورية، ينبغي تبريره سريعاً إذا وُجد، إما بكونه “فرحة بالشهادة أو سرعة الرحيل لرغبة في إطالة “قتال الأعداء” وإيلامهم. إنه تدريب على، وتدريس للشهادة يتلقاه الأهل في كل مكان وزمان، على شاشات التلفزة وعلى الاذاعات وفي المساجد والحسينيات ومع أساتذة مدارس الحزب ومعلماتها، وفي المعاملات اليومية مع بيئة اجتماعية-اقتصادية تبث الرسائل ذاتها بإتجاه البيئة ذاتها.

في صور الجنازات أيضاً، حشد مُنظّم يتقدمه عسكريون من حملة الرايات في خط طولي، فحاملو النعش ومرافقوهم، ثم رجال الدين المعممون، يليهم الرجال والفتيان. بعد ذلك، تفصل سلسلة فتيان يشبكون أيديهم، بين المقدمة الذكورية والمؤخرة النسوية. إنها كُتلٌ متراصّة تُشبه في تراتبيتها سيرورة عناصر الحزب. امرأة تلد فتياناً، يصيرون رجالاً، قبل أن يُحوّلهم “علماء الدين” إلى مقاتلين ونعوش.

وحتمية هذا المسار ليست سرّاً، بل حقيقة يعرفها جيداً السائرون في هذا النهج، ويعتزون بها. هناك تسجيل صوتي لـ”شهيد ينعى نفسه” قبل أن يلقى حتفه في سوريا، وآخر ينام في قبره، وغيرهما من أدلة مرئية ومصوّرة على الاحتفاء بالموت وطلبه. ثم يأتي النبأ السعيد: “نزفّ إليكما ابنكما شهيداً”. يُنثر الأرز على الجنازة كما لو أنها عرس. لا وجوه مصدومة هنا بل تسليم تام. أمٌّ تتمنى لو مات ولدها عطشان، كآل البيت في واقعة كربلاء. تُبدي حسرة على الرحيل المفاجئ، ثم تستدرك كأنها هفوة تتطلب الاستغفار. أتخشى إفساد “العرس”؟ والدٌ يصوّر ابنه مبتسماً في قبره لينشرها ناشطون على “فايسبوك”. يسألون “هل يبتسم شهداء النصرة أيضاً؟”. الجواب مخيب لآمالهم طبعاً، “النصرة” تنشر صور وفيديوات “شهدائها” يبتسمون. لكن هل يبتسم الأحياء عندكما؟

في الضفة المقابلة، جنائز عناصر جبهة “النصرة” في “طرابلس الشام”، ممن قضوا في مكمن تلكلخ وعمليات سابقة ولاحقة، مختلفة. لا تنظيم للجنازة، بل مسيرة غاضبة يتخللها اطلاق نار ورفع عشوائي لرايات “الجهاد” السوداء. “أمهات الشهداء” أطلقن النار في الهواء “ابتهاجاً”. نعم، “ابتهاجاً”. لا مكان للصدمة والعواطف، بل ترجمة تنفيذية للمشاعر المطلوبة والمتوقعة، وهي تتطلب تماسكاً لا نراه في جنائز “الموت الطبيعي”، إن جاز التعبير. جنازتان باسم “النصرة” على موقع “يوتيوب”، يظهر فيهما طقس الاحتفاء بـ”الشهيد”، تصوير بالجملة للنجم أو تغليفه بطبقة من الورود وسط الهتافات. الجنائز أقل تنظيماً، لكنها تحمل الرسالة ذاتها: الاحتفال بالموت. “هيا الى الجهاد في سوريا” من أجل مزيد من هذه الاحتفالات.

ينتاب الواحدَ منّا، جماعة “الموت الطبيعي”، شعورٌ بالغُربة وسط هذه المشاهد. ليست الجنائز التي نعرفها واعتدناها في زمنَي الحرب والسلم. أين البكاء والعويل والصراخ والحزن؟ أين عواطفنا وانفعالاتنا؟ ماذا حلّ بنا؟

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.