الحرب هي العدو

خلال أسبوع واحد، نشرت صحافيتان دمشقيتان رسالتي وداع لمدينة “لم ولن تعود كما كانت”. الزميلتان، مراسلة هيئة الاذاعة البريطانية لينا سنجاب والصحافية علياء مالك، لا تساورهما أي شكوك في مسؤولية النظام، قمعاً وعنفاً وتدميراً، عمّا حل بسوريا ودمشق. لكن هناك أيضاً ما هو أبعد من أطراف القتال وحججهم: إنها الحرب.

“المجتمع بات منقسماً”، كتبت سنجاب، و”العائلات في نزاع إذ توزع أفرادها بين طرفي الصراع”. أن تعود الى منزلك حيّاً في دمشق “بات رفاهية، جميع السكان يعلمون بأنهم قد يموتون في أي لحظة، أو أن أياً منهم قد يُقتل في اشتباك أو بسبب القذائف التي بدأت تنهمر على المدينة”.

مالكي، وفي سياق سردها صوراً عن جمال مدينتها، لم تفتها الإشارة الى “ايجابية” مقارنة الدمشقيين أنفسهم باللبنانيين. “كم كان السوريون يشعرون بأنهم محظوظون، مقارنة بطائفية اللبنانيين، أكلة الذات. كان الاعتقاد السائد بأن هذا لا يمكن أن يحصل في سوريا”. والواقع أن اللبنانيين اليوم يتمنون ألا تجرّهم حرب سوريا الى العنف مجدداً، وأن لا يغرقوا مثلهم في وحول حرب بلا أفق.

ففي مشاهد العُنف السوري، ما يُذكرنا بحربنا الأهلية، إن كانت المجازر والموت وغربة المدنيين والنزوح والخوف.

في حرب لبنان، كان هناك طرفان غير متحاربين. في ذلك الزمن، حين كانت الملاجئ مراكز “بحوث شخصية”، كنّا نتداول أن هناك طرفين فقط في الحروب الأهلية: أولئك القابعون في الملاجئ، والمقاتلون. مرّت على حيّنا البيروتي جيوش وميليشيات عديدة، ولم نر فارقاً واحداً بينها يعنينا. كلهم مسلحون يحتقروننا نحن المدنيين. ذاك أن المسلح لم يكن يُشبهنا. كيف ذلك وهو يحمل نهايتنا بين يديه؟ لا حديث يستقيم معهم ولا منطق. جميعهم “حرّرونا” طبعاً. حرّرونا من بعضنا بعضاً ثم فرزونا، قبل أن تنتقل الكراهية مجدداً الى اللون الواحد. يأتي المسلحون للدفاع عنك، يتدمر منزلك، ثم تُهجّر. شكراً!

الحرب الأهلية رحلة البحث عن الكراهية. المجتمعات تتشوّه فيها، كما المدن والقرى والبنى التحتية والاقتصاد. الحياة قبلها ليست كبعدها. إنها حرب على المدنيين. هي العدو.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.