ساعة الدَّين لمواطنين مياومين

14684 دولاراً “حصّة” كل مواطن لبناني من الدَّين العام، وهي تتزايد يومياً، وفقاً لعدّاد جديد نشره موقع “الاقتصادي” السوري يؤرّخ نمو هذا العبء الضخم على كاهلنا لحظة بلحظة، وكأننا ننزلق نحو الهاوية بسرعة قياسيّة. الاقتصاد طبعاً أكثر تعقيداً من رقم الدَّين العام (56 مليار دولار)، إذ تدخل في حساباته اعتبارات مثل معدّل قياسه على الناتج المحلي الوطني، ومعدلات نمو الاقتصاد التي باتت أقرب إلى الصفر في عهد الحكومة الحاليّة.

الرقم الأهم في النظر إلى الرقم الثاني المرتفع باطّراد على “ساعة الاقتصادي”، ما نقله تقرير لـ”وكالة التنمية” التابعة للأمم المتحدة عام 2007 بأنّ أكثر من 92 % من الأسر اللبنانية لا يتجاوز مدخولها مليونين ونصف المليون ليرة لبنانيّة، وهو ما لا يكفي بالطبع للإدّخار. وبحسب بيانات وإحصاءات دولية، فإنّ 10% من سكان لبنان يعيشون بأقل من دولارين يومياً، و28% بأقل من أربعة دولارات، والأخيرة نسبة من يعيش تحت خط الفقر (دون احتساب اللاجئين السوريين والفلسطينيين المقيمين أيضاً).

هذه الأرقام تفترض مقاربة اقتصادية مختلفة عمّا ساد خلال حقبة إعادة الإعمار، وما تلاها، حتى إبان فترة النمو الاقتصادي بين سنوات 2005 و2010. في تلك الفترة، اعتمدت السياسة الاقتصادية اللبنانية على مشاريع إعمار وإنفاق حكومي ترافق باستدانة بفوائد مرتفعة ومحاولات لإرساء استقرار سياسي وعلاقات دولية وإقليمية تسمح بتعزيز قطاع الخدمات، وتحديداً السياحة.

هذا النمو لا يعالج المستوى المرتفع للفقر في لبنان، رغم تحسينه الظروف المالية العامة، بل قد يزيد الهوّة الشاسعة أصلاً في مستوى الدخل (وهو يُحاكي النمو الاقتصادي المصري خلال سنوات الرئيس السابق حسني مبارك حتى الثورة). لبنان، كما مصر، يحتاج إلى مقاربة تُشبه تلك التي اعتمدتها الهند خلال العقدين الماضيين، أي تشجيع الاستثمارات وشركات التعهدات الخارجية (outsourcing) عبر سياسات ضريبية تشجيعية، لإنماء المناطق الأكثر فقراً، وهي تتوزّع على البقاع والشمال والجنوب. في تلك المنطقة من آسيا، نجحت بعض الدول بتقليص نسبة الفقر من 85% إلى 15% في غضون عقدين من الزمن، عبر سياسة أسهمت في رفع مستوى المعيشة العام بما يشمل المناطق المهمّشة.

يبقى أن الحديث عن الاقتصاد والحالة المعيشية في لبنان ترفٌ لا مكان له. كلما فكرنا فيه، وفي الساعة التي لا ريب فيها، تذكرنا أننا في الخانة “يك” من النقاش المجتمعي حيث السياسة مرهونة للصراعات الاقليمية ومنطق الدولة وسيادتها واحتكارها العنف. أي خطة اقتصادية تفترض التحكم بزمن وباستقرار نفتقدهما. هكذا، يصير اللبنانيّون مواطنين مياومين قد يفيقون يوماً على أزمة أو صراع إقليمي أو حرب مفاجئة، تماماً كما حصل في تموز عام 2006 وأيار عام 2008 ومطلع عام 2011. لم يختاروا ساعة الأزمة ولا ظروفها وحتى لم يحضّروا لها.

قد يصح القول إن حديث الاقتصاد الآن سابق لأوانه، ولكن عدّاد الدَّين والفقر والعوز ماض إلى الطوفان، غير عابئ بتأخّرنا.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.