“جهاديون” للبيع في مزاد المخابرات

حرب سوريا تدفع للتفكر بدور المقاتلين السلفيين المعروفين في الصحافة الغربية باسم “الجهاديين”، في تغذية حروب بالوكالة عن أطراف إقليمية ودولية.

 

“باتت عصابة من الغجر الإيرلنديين السارقين في قلب حرب مقدسة، بعد نهبها مئتي ألف يورو نقداً كانت متجهة الى الثوار الليبيين”. هذا مقطع من مقال نشرته صحيفة “صنداي وورلد” الايرلندية تكشف فيه عملية سرقة لمنزل المهدي الحاراتي نائب قائد “لواء طرابلس” الليبي. الشرطة الإيرلندية علمت أن وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي اي) هي مصدر الأموال التي كانت في حوزة الثائر الليبي الذي درّبته قوة قطرية تمركزت في جبل نفوسة الليبي، قبل أن ينتقل لاحقاً للقتال في سوريا حيث أسس “لواء الأمة”.

المثير في قضية الحاراتي أن الولايات المتحدة تموله، وهي الدولة ذاتها التي تمنع، وفقاً لتقارير غربية عديدة، وصول الدعم الأساسي للثوار السوريين بحجة الخوف من المتشددين. “لواء الأمة” يُقاتل في سوريا، وجلّ أعضائه من المقاتلين الأجانب الذين يريدون إقامة “دولة إسلامية” تلتزم الشريعة الاسلامية.

التقرير الايرلندي يستدعي السؤال البديهي الآتي: لماذا تموّل الاستخبارات الأميركية جماعات تخشى منها؟

منذ بداية تسليح الثورة السورية غداة شهور من القمع الدموي للتظاهرات السلمية، وردت تقارير عديدة عن مصاعب تواجهها الكتائب السورية المنشقة، في الحصول على السلاح والمال من مصادره الاقليمية المعروفة، وعلى رأس هذه العقبات العامل الديني (أطلقوا اللحى للحصول على السلاح). هذه الشكوى المتكررة ترافقت مع تقارير عن التجهيزات العالية المستوى لدى جبهة “النصرة” وجماعات “جهادية” أخرى تتساقط عليها الأسلحة والأموال من السماء، سبحان الله!

قبل سنوات عديدة، في أوج حرب العراق، طفا الى السطح اسم الداعية الاسلامي في حلب الشيخ محمود غول أغاسي الملقب بإسم “أبو القعقاع”. كان أغاسي يُبكي المصلين بخطبه المؤثرة والداعية للجهاد ضد المحتل الأميركي في العراق حتى اغتيل عام 2007 في ظروف غامضة. اتُهم النظام بالوقوف وراء تصفيته، ولا سيما أنها تزامنت مع أولى علامات التعاون السوري في الأزمة العراقية. مطلع عام 2007، عينت الادارة الأميركية الجنرال ديفيد بترايوس قائداً للقوات الأميركية في العراق ليبدأ استراتيجيته لمواجهة تنظيم “القاعدة” هناك. كان الاتفاق مع النظام السوري أساسياً في هذه الاستراتيجية إذ شكل لسنوات مقراً لانتقال الانتحاريين الأجانب الى العراق. بل أكثر من ذلك، وفقاً لمستشار البيت الأبيض للشؤون العسكرية حينها الجنرال دوغلاس لوت، كان الانتحاريون يُجنّدون في مقتبل العمر في دول شمال افريقيا ثم يُسافرون إلى دمشق بتذاكر سفر بلا حجوزات عودة (one way ticket).

من دمشق، تنقلهم الاستخبارات السورية الى حلب حيث يُقيمون في فنادقها ويخضعون لدروس دينية على أيدي أغاسي وغيره، قبل أن يُسلموا الى تنظيم القاعدة في العراق لتفجيرهم. هكذا، ببساطة، يصنع رجال الدين ومعهم حلفاؤهم في الاستخبارات من شباب يرتادون مساجد شمال افريقيا، قنابل بشرية. إنه إتجار بالبشر بعناوين مختلفة.

أغاسي اغتيل ثم ظهر له فيديو وهو يُغني في جلسة كَيْف.

يسأل ناشطون سوريون كم من مقاتلي “النصرة”، وكثيرون منهم تخرجوا من “مدرسة العراق الجهادية” برعاية الاستخبارات السورية، ما زالوا “في عهدة” رعاتهم السابقين. حتى نعرف جواب هذا السؤال، ستحطّ مئات الطائرات وعلى متنها آلاف الضحايا في جنوب تركيا لتنقلهم الى حتفهم.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.