بصّارة لإهانة أهالي المخطوفين

لم تشهد قضية في تاريخ لبنان إذلالاً ومهانة وإهمالاً بقدر مأساة عائلات ١٧ ألف مفقود ومخفي قسراً بينهم مئات في عهدة النظام السوري، أسوأ سجّاني المنطقة وربما العالم. أهالي المخطوفين، وجلّهم من الزوجات والأمهات، تعرضوا للابتزاز إبان الحرب بُعيد وقوع عمليات الخطف. ميليشيويون ونصابون زاروا منازلهن، مدّعين بأن في حوزتهم معلومات عن المفقودين. هناك من سقط في الفخ، ودفع مالاً لقاء معلومات تبين أنها كاذبة لاحقاً. زوجة مفقود زارها ميليشيويٌّ عرض عليها نقلها لرؤية زوجها في السجن، خشيت خطفها أو اغتصابها وآثرت البقاء مع أولادها. لم يفارقها السؤال “ماذا لو ذهبت؟”. أمٌّ أخذوا ابنها بتهمة “العمالة”، وعرضوا عليها جلب ابنها الثاني للتحقيق، على أن يُفرج عن كليهما. جلبت الثاني، ولم يفوا بوعدهم. حكموا عليها بمؤبد من الندم. أمُّ مفقود في سوريا ذهبت بوساطة الى دمشق للبحث عنه، وعرض عليها وزير بارز المساعدة مقابل عشاء في منزله، رفضت. وكل يوم تسأل نفسها، ماذا لو وافقت؟ هل كانوا سيعيدونه لي؟. نايفة نجار بحثت ٩ شهور عن وحيدها اليتيم علي (١٣ عاماً) لم تترك باباً لم تطرقه، ثم انتحرت من اليأس والاشتياق.

 

بعد انتهاء الحرب، تقدمت زوجة مخطوف بدعوى قضائية ضد الخاطفين الذين تعرفهم بالأسماء. القضية دخلت عقدها الثالث وما زالت تؤجل. القضاء أهان الأهالي أيضاً.

بعد جلاء الجيش السوري، نصبوا خيمة اعتصام أمام مقر الأمم المتحدة في وسط بيروت. لم يكترث أحد بأمرهم، حتى السيارات المارّة. أوديت سالم التي فقدت ولديها خطفاً، أقامت في الخيمة حتى دهستها سيارة وهي تقطع الشارع.

لم تنتهِ الاهانات هنا. قدّم الأهالي مشروع قانون لفتح المقابر الجماعية التي حددتها لجان تحقيق رسمية، وغيرها، إلا أن اللجان لم تدرسها حتى. آلامهم ليست على بساط البحث، لا ريع إقليمياً لها ولا س-س.

بالأمس، جاء دور الاعلام ليرشّ الملح على الجرح. برنامج “تاريخ يشهد” على شاشة المؤسسة اللبنانية للارسال استضاف بعض أهالي المفقودين في سوريا، ليقدّموا قضيتهم أمام المُنجمة ليلى عبد اللطيف.

هكذا، وبكل بساطة، نصنع من آلام الأهالي مادة للتسلية والتنبؤ على شاشات التلفزة. ليلى عبد اللطيف تقول لهم إن المفقودين أحياء، وأنتم عودوا الى عالم الاهمال الرسمي حيث الموت وحده يزيل الألم والتساؤلات. لماذا لا تستضيف “أل بي سي” قادة الميليشيات اللبنانية، سياسيينا العظام، لتسألهم عن مصائر المفقودين؟ لماذا لا تستضيفون أهالي المفقودين والمسؤولين عن خطفهم وجهاً لوجه ليسألوهم عن قانون المفقودين وعن مواقع المقابر الجماعية؟

أسئلة برسم قناة أحالت قضية المفقودين وآلامهم الى مادة للتنجيم. إنه عالم بلا رحمة.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.