أنت مواطن…إذاً أنت غير موجود

قبل أكثر من عقد من الزمن، وتحديداً في الـ٢٥ من عمري تقريباً، غادرت بيروت الى لندن للعمل في مكتب صحيفة “الحياة”. هناك، أحسست بمزيج من الضياع والحشرية. إنها فُرصة لاكتشاف الذات ومعنى الوجود، أو حتى لامعناه في “جنّة الأفراد” حيث لا عائلة ولا مجتمع يفرض عليك شيئاً. في يومي الأول، وعند مدخل جريدة “الحياة” على شارع “كنزنغتون”، التقيت عاملة استقبال لها ملامح آسيوية. سألتها حينها عن أصولها، فأجابت “أنا من لندن، نصف فيليبينية وربع برتغالية وربع انكليزية. وأنت؟”. “لبناني حاف”، جواب مضجر في عاصمة تعج بالجنسيات والألوان والحياة. وأنا، لطالما اعتبرت نفسي من عائلة “مختلطة” في لبنان. نصف شيعي، نصف سني مع فرعين ماروني وكاثوليكي. لكن لم يمر وقت طويل حتى اكتشفت بأن الاختلاط الأممي أعظم أثراً على المرء من الديني أو المذهبي. الأمة تاريخ مشترك ورموز ولغات وأدب وتقاليد وثقافات، فيما الأديان والطوائف لو اختلطت، فإنها تمزج طقوساً وقصصاً خرافية تتصادم ولا تتصالح إلا في ظل علمانية المرء. وهي النتيجة الطبيعية لمثل هذا الاختلاط.

لندن مدينة ساحرة. الشارع الواحد فيها يجمع بين المسجد والكنيسة والكنيس والحانات والمقاهي ومراكز ألعاب القمار والمكتبات العامة والتجارية ومراكز دينية ومحلات “جنسية”… عوالم في عالم واحد. فيها الشيوعي واليساري واليميني المتطرف والوسطي والاسلامي والصهيوني والفلسطيني وكل خلافات الكوكب واختلافاته. يختلفون على كل شيء تقريباً، لكن ستجد غالبيتهم الساحقة تُدافع عن حقوق الآخر لو انتُهكت.

في عامي الأول، كانت الدهشة حاضرة في كل شيء ولا تترك للوحشة مكاناً، والانطباعات تتبدل بشكل شبه يومي.

أكثر ما نال إعجابي الصحافة البريطانية. الغارديان والتلغراف والاندبندنت وغيرها، وقنوات التلفزة. حقيقة يشعر المرء بالسلطة الرابعة “in action”. توتر دائم بين الإعلام من جهة والسلطة بمؤسساتها وأحزابها والمعارضة السياسية من جهة ثانية. كيف يجرؤ الصحافي في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أندرو غيليغان على فضح تزوير الحكومة البريطانية الأدلة والتقارير للمشاركة في حرب العراق؟ يدخل الصحافيون الاستقصائيون بكاميرات خفية لفضح الشرطة والمسؤولين الفاسدين، ثم يتحرك القضاء، فيستقيل المسؤولون والوزراء وقادة الأمن.

عندنا في لبنان، الإعلام للسلطة، إما مملوك من عصاباتها أو مرتهن لها بالمال والنفوذ. مشغول دائماً بنشر بيانات المسؤولين ولقاءاتهم. بل أسوأ من ذلك، الاعلاميون يتقاضون رواتب ويعملون لدى السياسيين مستشارين وحاملي حقائب. عادي! مثلاً، في حفل افتتاح مجلة “المسيرة”، نُشر خبر موزع على الإعلام، وفيه هذا المقطع عن المشاركين في الحفل:

“النائب بطرس حرب ممثلاً بالصحافي يوسف الحويك، النائب سامي الجميّل ممثلاً بالإعلامية جويس الحاج، منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد، أمين عام تيار المستقبل أحمد الحريري ممثلاً بالصحافي عبد السلام موسى”. تماهي الصحافي مع السياسي ليس بريئاً، بل ممارسة تقليدية في الدول الشمولية والريعية.

أما الفضائح المالية والسياسية والفساد، فتتوزع وفقاً لولاءات وسائل الإعلام ولما يرغب السياسي في تسريبه لها. هكذا تكون أجندة إعلام “١٤ آذار” انتقاد “دويلة حزب الله” والدولة داخل الدولة وتحكُّم إيران و”ولاية الفقيه” به وسعيه للهيمنة بقوة السلاح على النظام السياسي والأمني في لبنان، وفساد قوى “٨ آذار” وجرائم النظام الأسدي. أما أجندة وسائل إعلام “٨ آذار”، فهي نبش جرائم شخصيات “١٤ آذار” وفسادها المستشري في الدولة وممارساتها المالية وارتباطها بالمال السعودي والقطري. إلا أن المشكلة تكمن في صحة كل ما سبق، فيتمنى الواحد منّا إصدار الفريقين صحيفة موحدة تضم فضائح فسادهما وتاريخهما الدموي وارتباطاتهما الخارجية. وكأن لسان حال الطبقة السياسية اللبنانية “نعم، كلنا مجرمون وفاسدون. نجتمع كل ٣٠ عاماً لإصدار قانون عفو عام”!

طبعاً، قد يأتي من يقول إن الأولوية الآن لبناء الدولة واحتكارها السلاح، وهو مطلب أساسي وملحّ. لكن بعد ٨ سنوات من قوافل المال الإقليمي والحكومات الائتلافية والفساد، ألا يحق لنا أن نسأل عن الفترة الزمنية؟ في دراسات الصراعات الطويلة، نظرية بارزة تقول إن النخب السياسية تطيل أمد الصراع لتحقيق أرباح مالية. هكذا يتحول الصراع بوعي أو من دونه إلى مشروع تجاري يدرّ أرباحاً طائلة على المستفيدين (mutual enterprise). وكيف تُقنعني، أنا المواطن، بأن من كانوا يمضون وقتاً سوية خلال الحرب فيما تشتبك ميليشياتهم مع بعضهم بعضاً، وتفرض الخوات على المواطنين وتسرق منازلهم ومحلاتهم، تحولوا اليوم إلى ملائكة تواقين إلى دولة القانون؟

بعد شهور وسنوات من الإقامة خارج لبنان، لا يسع المغترب اللبناني، أو “الدياسبورجي”، كما يحلو لزميل لي تسميته، تجنب السؤال الذهبي، المُكرر دائماً وأبداً حتى ما بعد الضجر. كيف يعيش اللبنانيون سوية في الاغتراب، ويحققون انجازات علمية وثقافية ومالية، هم محرومون منها في بلدهم؟ الأجوبة أتت عديدة طبعاً، لكن أكثرها اقناعاً بالنسبة لي جاء من بروفيسوري الإيرلندي الشمالي في جامعة لندن. يسميها نظرية “النش”، تسرب الفساد والإجرام من فوق، أي الطبقة السياسية الحاكمة بكل تلاوينها. “لو بقيت في ايرلندا الشمالية”، كان يُردد، “لأصبحت سائق تاكسي أو شاحنة” نتيجة الاحتلال البريطاني والهيمنة البروتستانتية العنصرية التي تشرّبها المجتمع بحيث صار من الصعب تحقيق اختراق يُذكر طبقياً وسياسياً وفردياً. وهذه حال اللبناني أيضاً. إنها كما يولَّى عليكم تكونوا، وليس العكس.

وفي وسائل الإعلام اللبنانية حيث لم تنقرض الديناصورات بعد، صورة مشابهة. يدخل الصحافي الشاب الصحيفة حيث إذا كتب مقالاً نقدياً للوضع العام، ينام في الأدراج أسابيع وربما شهوراً، قبل أن يُنشر بتعديلات وفذلكات لغوية تُفقده قراءه وهدفه في آن. شاهدت أصدقاء وزملاء كثراً لم يرتهنوا لأحد، يتعفن حماسهم واندفاعهم للمهنة مع مرور الزمن فيأكلهم اليأس، إلا إذا فُتحت لهم نافذة هجرة فيقفزون منها هرباً من مهنتنا. مهنة حوّل الديناصورات مريديها إلى طبّالين أو كتبة محاضر تقتصر مهاراتهم على الإملاء والقواعد.

الصورة الحقيقية لبلادنا لا تظهر في بزّات السياسيين وسياراتهم الفارهة وفذلكاتهم اللغوية والسياسية، أو المباني الجديدة الفاخرة في وسط المدينة. بل في خيمة صغيرة قرب مبنى البرلمان اللبناني وأمام تحصينات مقر الأمم المتحدة وسط بيروت. خيمة أهالي ١٧ ألف مفقود في لبنان وسوريا. بضع أمهات وزوجات من كل الطوائف والأطراف، جُلّ ما يطالبن به معاً التحوّل لثكالى وأرامل! يُردن فتح مقابر جماعية حددتها لجان حكومية للحصول على قبر. أذكر أمّاً زرت منزلها المتواضع ورأيت فيه تلفازاً “أنتيكا” توقف بيعه في الثمانينات. عندما سألتها لماذا لم تشتر جهازاً جديداً وأسعارها تتهاوى، أجابتني بأنها لا تريد أن ترى خاطف زوجها على التلفزيون. أُفكر أحياناً كيف يعيش أهالي الضحايا أيامهم، وهم يرون القتلة يتصالحون ويتخاصمون أو يتحولون في إعلامنا الى أبطال وشهداء تحتل صورهم وصور أبنائهم وأصهارهم الورثة الشاشات والشوارع. تلاحقهم الصور حتى القبر. الذل يلحق بالظلم.

في لبنان، أنت مواطن، إذاً أنت غير موجود.

Facebook Comments

2 Comments

Leave a comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.