عدالة سمير جعجع وعدالة نجاة حشيشو

 

كم يستحق “مكتب جرائم المعلوماتية” من ثناء؟ اليوم اتصل بالزميلة الصحافية رشا الأمين لاستدعائها في خصوص دعوى سمير جعجع ضد موقع “المحاسبة” الالكتروني، وهو مدونة متواضعة أقدمت في شهر نيسان (أبريل) الماضي على جريمة من طراز “Share” لمقالة نشرها موقع “التيار” في العام الماضي. قبل الزميلة رشا، استُدعي الكاتب الدكتور لقمان سليم لتحقيق طويل في المكتب عينه في خصوص هذه التهمة العظيمة. وقبل لقمان، تشرّفت أنا بتحقيق لخمس ساعات في المكتب ذاته.

أنا المتهم الرئيسي في هذه الواقعة العظيمة. إسمي كان مدوناً على بيانات تسجيل الموقع. نفيت أي علاقة لي بالموضوع، لكني في قرارة نفسي، ربطت التحقيق بتهديد تلقته ادارة موقع “ناو” باللغة العربية الذي كنت أديره. وبعد التحقيق، وضغوط مهنية أخرى، استقلت من وظيفتي، اعتقاداً منّي بأن كل شيء سينتهي هنا، وإذ بالقضية تستمر بجهد جهيد من هذا المكتب.

لكن القصة لا تنتهي هنا، بل تحتاج إلى مقارنة بسيطة للإجابة عن السؤال الآتي: هل تبذل مؤسسات الدولة جهوداً مماثلة وجبارة في قضايا أخرى؟

الجواب يكمن في اسم واحد: نجاة حشيشو. لديها دعوى مفتوحة أمام القضاء اللبناني منذ عام ١٩٩٠، وكل عام تؤجل رغم توافر الأدلة، ومعرفة أسماء المتهمين. الدعوى متعلقة بخطف زوجها المربي المعروف في مدينة صيدا محي الدين حشيشو على أيدي مقاتلين من “القوات اللبنانية”. منذ عام ١٩٩٠، ذهبت نجاة عشرات المرات الى المحكمة حيث تنتظر كل مرة ساعات طويلة حتى تؤجل الجلسة في حلقات ماراثونية تستحق دخول كتاب “غينيس” للأرقام القياسية، من باب الحزن والقهر لا الإحتفال. لـ١٥ عاماً، خشيت نجاة زيارة عائلتها في الاغتراب لئلا تطير الدعوى. مرة، توفي قاض، وجاء آخر جديد. أصدر قراراً بحبس المتهمين الثلاثة المعروفين بالأسماء. قامت الدنيا ولم تقعد حتى خرجوا سريعاً. وعادت نجاة الى قاعات العدالة بلا نهاية.

المفارقة هنا أن المدّعي على موقع “المحاسبة”، سمير جعجع، يُمثله سليمان لبس الذي يتولى أيضاً الدفاع عن المتهمين في قضية خطف حشيشو. هو المنتصر في الحالتين. في الأولى، يستدعي مكتب الجرائم المعلوماتية برئاسة الرائد سوزان الحاج حبيش (زوجة شقيق النائب هادي حبيش) الصحافيين تباعاً في قضية رفعها سليمان لبس نيابة عن سمير جعجع. في الثانية، يُدافع لبس عن المتهمين الرئيسيين في قضية خطف زوج نجاة حشيشو، ويؤجل الدعوى الى الأبد. ونجاة لم تقل أبداً إنها تريد محاسبة المتهمين، بل تريد معرفة ماذا حلّ بزوجها، وبعدها تسقط الدعوى باحتساب الجريمة في قانون العفو. أذكر أنها قالت لي خلال لقاء جمعنا، بأنهم “ينتظرون موتي”. القضاء اللبناني حكم عليها بالتأجيل المؤبد حتى يقضي الله أمراً.

عندما تطالب مواطنة بمعرفة ما حلّ بزوجها على أيدي الميليشيات، تغفو الدولة في سُبات عميق، لكن اذا اشتكى جعجع من مقالة، ينطلق ماراثون أمني يقوده مكتب مكافحة الجرائم الالكترونية، لا يخشى فيه استدعاء الصحافيين أو حتى اهانتهم. بئس هكذا عدالة، وهكذا دولة!

 

قد يكون عقلي في التحقيق مع رشا أو ربما غداً معي، لكن قلبي سيبقى دائماً في قاعة انتظار يعمها صمت مريب، وتجلس فيها نجاة حشيشو على أمل أن يصحو ضمير ما في هذا العالم.

Facebook Comments

10 Comments

Leave a comment
  • يعني ما في غير سمير جعجع خاطف؟ ما في غيرو عامل العمايل؟ خلصونا بقى… آه نسيت انو الباقيين يمكن ما بتسترجي تفتح ملفاتهم بتخاف؟ ما هيك؟ بس جعجع شو رح يطلع منو؟ يلا عليهم

    • طبعاً، طالبت وأطالب بمحاسبة الجميع، لكن يبدو أنك لم تقرأ مقالاتي وأطلقت حكماً سريعاً دفاعاً عن سمير جعجع. كتبت هذا التعليق لأن سمير جعجع وحده الذي جرنا للتحقيق، وكان لافتاً أن العدالة لم تستيقظ الا من أجله. هو اختار فتح النار على المطالبين بالعدالة الانتقالية نحن لم نختارها معه. لو رفع عليها أي زعيم حرب أو ميليشيا غيره لرأيت نفس الحديث.
      السؤال لك عزيزي، ألم تهزك قصة امرأة مظلومة، وزعزعت كيانك كلمات بحق زعيم ميليشيا سابقة؟ غريب.

      • لم اقتنع… عذرا… هل كان سمير جعجع فوق القانون والمحاسبة عندما كان في سجن وزارة الدفاع؟ يوما كانت المخابرات تبحث بدون جدوى عن ملف يدين الرجل؟ تطلبين منا ان نقتنع ان السيدة حشيشو لم تحصل على العدالة زمن جميل السيد؟؟؟؟ خبرونا خبرية تتصدق

  • الزميل مهند، هناك مسلمات لا اتراجع عنها وادافع عنها الى ابد الابدين ومنها حرية القول والمعتقد خصوصا للصحافيين. ما يقوم به مكتب جرائم المعلوماتية والامن العام اللبناني وحت نقابة الصحافة، امور لا يجب السكوت عنها خصوصا واننا في عصر بعذ الدول الحضارية الغت ما يعرف بوزارة الاعلام لعدم تقييد الصحافة والاعلام بأي قانون او رقابة. ولكن التصويب في رأي لا يجب ان يكون على ن تقدم بدعوى اودعاوى. القانون هو الذي يسمح بذلك ويسمح لمكتب جرائم المعلوماتية والامن العام اللبناني ونقابة الصحافة بالقيام بذلك. يجب ان نسعى جاهدين لتغيير هذه المنظومة. وبخصوص السيدة حشيشو، الا تعتقد ان من لا يريد اصدار حكم نهائي ومبرم هو من يسعى لعدم قيام آخرين من فئات اخرى للادعاء عليهم. فوزارة العدل والهيئات القضائية منذ 1990 لم تكن لصالح القوات اللبنانية ولم تكن مع من يمكن ان يتعاطف معها لا بل على العكس، فلماذا لم تنتهي القضية آنذاك او حتى اليوم في عهد يتصف بآحاديته لناحية التوجه السياسي؟!! وهذا طبعا لا يلغي التعاطف معها ومع جميع من فقدوا اعزاء لهم ومنهم من هم في خيمة الامم المتحدة في رياض الصلح.

    • عزيزي جورج،

      ألف تحية،
      أتفق مع كل ما قُلت، وهو عين الصواب. والحقيقة أن سمير جعجع نفسه كان في السجن خلال كل عمليات التأجيل، وأن هناك آخرين ممن لم يذوقوا السجن، كما فعل، واقترفوا ربما جرائم أكبر بكثير مما أقدم عليه زعيم القوات، ولم يعتذروا حتى. هؤلاء النافذون منذ الوصاية السورية وراء هذا التأجيل بالتأكيد، وهم أيضاً ساعدوا “القوات” في القضية عندما حكم قاض لبناني صاحب ضمير لمصلحة نجاة.
      لكن مشكلتنا مع “القوات” أنها قررت أن تكون رأس الحربة في ملاحقة الصحافيين والناشطين في قضية “المحاسبة”. لماذا؟ طبعاً، صمت القوى الأخرى الشريكة في الحرب اللبنانية، يعني تواطؤها بالتأكيد. ما نريده هو وطن لا يحتكر السياسة فيه ميليشيويون لهم تاريخ دموي، نريد وطناً ديموقراطياً يتيح تداول السلطة في كل الطوائف، وهو ممنوع علينا اليوم. حزب الله وحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي وميشال عون والقوات اللبنانية، والقوات السورية والاسرائيلية، جميعهم مذنبون، ولو بشكل متفاوت، ولا نريدهم في العملية السياسية، أو على الأقل نريد عدالة انتقالية ودولة فيها أسماء شابة تُمثل زمن السلم لا الحرب. صديقي جورج، نحن لا نتذكر الماضي، بل وجوههم تُذكرنا به. اليوم، في القرن الواحد والعشرين، أليس من حقنا أن نحلم بوجوه جديدة؟

  • اكترية سياسي البلد مجرمين ولكن سمير جعجع امعن اكتر من غيرو ءءءءءءء خليهون يعملوا اعادة فتح ملفات الجميع دون استثناء احد

  • ياريت نعطي الفرصة للشبابنا المتفتح الذي لا يعرف الطائفية والاستغناء عن جميع الزعماء

  • أولاً كوني شخص فات عالحبس 14 يوم بس لني انتقدت الرئيس على الفايسبوك، هالخبر ما صدمني كتحرك قضائي او كقضائ مطاط ع ناس وناس …. بس انو سمير جعجع المدان غير المغفور له او غير المبرّأ من التهم، يقدر يحرّك القضاء في سبيل نكايات وتحصيل شرف غير موجود؟؟؟ هيدي كارثة ….. اما للأخوة الذين تم استدعئهما اقول: طبوا بوسوا الأرض انو سمير جعجع رفع دعوى عليكن.. كل عمرو يقتل اللي بيحكي عليه او بيخالفو الرأي حتى لو كان من ضمن حزبه
    مع الأسف، نخسرها مؤسسة تلو الأخرى كرامة عيون السياسيين … بس بالنهاية وأنا بقمة التهكّم أقول: هيك شعب، بدو هيك طبقة سياسية ….
    بكيوا وولولوا ولبسوا الأسود عشرات السنين بسبب اعمال هؤلاء السياسيين نفسهم ورجعوا رجعوهن زعماء بدل امراء حرب …..
    أما قانونياً ما عنا شي اسمو قانون معلوماتية على حد علمي، بعدو بالجارور اللي ع يمين الرئيس بري الو 10 سنين … في قضيتي، تم ترجمة “post on wall” الى العربية وبالتالي “الصاق شعارات على الحيطان” وعلى هذا الأساس حوكمت …..
    اي تحرك مقترح لإنهاء هذه المهزلة، انا داعم والرجاء تبليغي على البريد الإلكتروني الذي يرفق مع هذا الرد

  • لقد سقط منطق العدل والعدالة منذ صدر قانون العفو المشؤوم، فقد عفا المجرمون بعضهم عن بعض باسم االمجنى عليهم بحجة أنهم يمثلونهم وما هم سوى مغتصبي تمثيل ومغتصبي سلطةز

    ولو كان الامر قد اقتصر على أن تعفي الدولة عن حقوقها أي أن تعفي عمّا يعرف قانوناً بـ”الحق العام”، لكان الأمر مقبولاً ومنطقياً، ولكنها عفت عن الجريمة كلها وعن كافة عناصرها معتبرة اياها وكانها لم تكن فباركت للقاتل بقتله وللخاطف بما اقترفت يداه وبالسارق ما سرق وتركت المجنى عليهم بلا حامٍ ولا معين ومنهم من خسر أعزّ الناس ومنهم من خسر كل ما يملك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.