مجلس نواب الكوما

يوم الأربعاء الماضي، فاجأت النائب البريطانية آن كلايد زملاءها في مجلس العموم ببكائها فيما روت قصة معاناة زوجها في مستشفى حكومي، وادعت بأنه مات “لأن أحداً لم يهتم به” في القطاع الصحي البريطاني. أول ما سمعتُ تصريحها ورأيت بكاءها، خطر على بالي “ماذا لو كانت نائباً في لبنان؟”. طبعاً، وللتذكير، فإن النائب في لبنان، البلد النامي، يتقاضى أكثر من نظيره في بريطانيا، أحد أكبر اقتصادات العالم. لو كانت آن نائباً في لبنان، لحظي زوجها بمواكبة أمنية الى مستشفى خاص حيث كان سينال معاملة تفضيلية نتيجة موقع زوجته. فمستشفيات لبنان، كمصارفه، على علاقة ممتازة بالطبقة السياسية الحاكمة منذ مطلع التسعينات، فلها حصة منتفخة من مؤسسة الضمان، في ظل “تقاعس” السلطة عن بناء مشافٍ حكومية توفر على الخزينة مبالغ طائلة.

في المستشفى، سينام زوج آن في جناح خاص به حيث سيكون الى جانب الممرضات، رجال شرطة (درك). وهؤلاء يتوزعون في البيوتات السياسية اللبنانية الى مجموعات متخصصة، بينها من يتولى التنظيف والأعمال المنزلية، فيما ينكب آخرون على توصيل أبناء العائلة وحمل أغراضها. لكن في هذه الحالة الافتراضية، قد يتحول الدركي الى ممرضة، على أن يتناوب عدد منهم على فترات ليلاً ونهاراً.

وللتوكيد على النتيجة الايجابية المفترضة لتجربة آن مع مرض زوجها، لو كانت في لبنان، ينبغي التذكير بأن المرأة في لبنان لا تدخل مجلس النواب عادة إلا في ظل غياب ذكور العائلة لسبب قسري، أو حتى يكبر الورثة، أي لتحفظ الكرسي، كالدجاجة على البيضة حتى تفقس. ولهذا السبب، فإن أي نائب أنثى ستستمد مزيداً من النفوذ من إرث ذكور العائلة، أكانوا رؤساء أو مسؤولين أو رموزاً غائبين.

لن تعاني آن وزوجها لو كانا في لبنان، لكن هل هذا نبأ سعيد؟ آن، بنسختها البريطانية الأصلية، عانت كملايين البريطانيين من مشكلة تتفشى في القطاع الصحي البريطاني.
ولذا، قررت بعد وفاة زوجها إطلاق حملة لاصلاح الخدمات الطبية. في لبنان، يموت مرضى كُثُر نتيجة “أخطاء طبية” وخلل في القطاع الصحي، في حين يعاني مئات الآلاف من غياب التغطية الصحية وإهمال المستشفيات من لا يملك مالاً كافياً للحصول على العناية. طبعاً، المسؤولون ونواب الأمة لا علاقة لهم بهذا المشهد، ولا يشعرون بما يعاني منه الناس، بل يقبعون في عالم من المرافقين والسيارات الفاخرة ولوحاتها الزرقاء الخاصة ومعاملات تفضيلية تشمل كل مناحي الحياة. إنهم ركاب الدرجة الأولى لا يكترثون بما يجري خلفهم.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.