يا ريبيكا أدركينا

قرأت صباح اليوم خبراً عن ريبيكا بروكس، المرأة الأعجوبة في عالم الصحافة، والساعد الأيمن لحوت الإعلام روبرت مردوخ، الرئيس التنفيذي لشركة “نيوز انترناشونال”. “ذي صن” دفعت رشاوى بقيمة ٧٠ ألف جنيه استرليني، أي أكثر من مئة ألف دولار أميركي إلى مسؤولة في وزارة الدفاع البريطانية مقابل معلومات صحافية. هكذا ببساطة، صحيفة تشتري مسؤولة رفيعة المستوى لتنشر أخباراً عن المؤسسة العسكرية ليقرأها الناس.

لنتورط قليلاً في لعبة المقارنة المحرمة. في بريطانيا، المسؤولون يقبضون من الصحافيين لينشروا أخبار الدولة وفضائحها أولاً بأول، ما يستدعي تدخلاً قضائياً وأمنياً لوقف تمدد نفوذ السلطة الرابعة على حساب بقية السلطات. في لبنان وبقية العالم العربي، يقبض الصحافيون مبالغ طائلة أحياناً وزهيدة أحياناً أخرى لينشروا ما يريده السياسيون، أي التسريبات ضد الخصم والمدائح بالكيلو وأخبار اللقاءات والعزاء والوداع وبحث العلاقات الثنائية. هذا ناهيك عن حقيقة أن المؤسسات الصحافية إما مملوكة لأركان الطبقة السياسية والمخابراتية أو ممولة منهم، ولا رقيب ولا حسيب سوى للحفاظ على هذا الواقع الرديء.

بروكس كانت رئيسة تحرير صحيفة “ذي صن” و”نيوز أوف ذا وورلد”، وعُرفت بشراستها في ملاحقة السبق الصحافي. لكن محاكمتها وآخرين في قضية التنصت على هواتف المسؤولين الحكوميين وأعضاء العائلة المالكة وضحايا حوادث العنف، تكشف وجوهاً أُخرى لعملها وسلطتها. “شريكها” في الجريمة هو أندرو كولسون، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء ديفيد كامرون، وأيضاً رئيس تحرير سابق لـ”نيوز أوف ذا وورلد”. كولسون استقال من منصبه بعد تفجر الفضيحة، في حين أغلق مردوخ “نيوز أوف ذا وورلد” لإحتواء الغضب ضده.

لعبة هذه الصحيفة مثيرة للإهتمام، إذ أنها استخدمت تكنولوجيا متقدمة وخبراء من أجل اختراق هواتف أعضاء العائلة المالكة ومسؤولين حكوميين وضحايا حوادث عنف وأهاليهم للحصول على السبق الصحافي ونشره. والمثير في بروكس أن أفراد الطبقة السياسية البريطانية كانوا يهابونها، وبينهم رئيس الوزراء السابق غوردون براون الذي اتهمها بتخريب حملته الانتخابية، ونائب سابق أكد أنها فضحت علاقته المثلية بعد انتقاده مردوخ و“نيوز انترناشونال”. أحد الشهود الرئيسيين في الفضيحة، وهو صحافي سابق في الصحيفة، “انتحر”. واليوم، علمنا بأن هناك مسؤولين كباراً في الدولة تلقوا مبالغ طائلة لتقديم معلومات يُفترض أنها سرية.

ريبيكا بروكس تُحاكم اليوم لأنها تجاوزت الحدود المسموح بها واعتدت على خصوصيات مواطنين بريطانيين، وتورطت مؤسستها النافذة في دفع رشاوى لمسؤولين، وهي جريمة. طبعاً، في لبنان، لا ريبيكا ولا من يحزنون. السلطة الرابعة هنا تأخذ أشكالاً عديدة. هي أشبه بمذياع حيناً، أو بالعمل الحزبي حيناً آخر. يترقى الصحافي فيصير نائباً أو مستشاراً عند المعلم، أي الزعيم السياسي التابع لإحدى القوى الاقليمية الريعية. الأمثلة كثيرة من م. د. وب. الس. وع. ص. وف. خ. وغ. ج. وغيرهم كثيرون (استخدمت الأحرف الأولى لتجنب استدعاءات م. م. الج. الإل.)

الخُلاصة أننا نحتاج في بلادنا إلى شراسة ريبيكا، رغم قناعتي بأنها ستقبع في السجن في نهاية المطاف لأسباب شريفة هُنا وجرمية في بريطانيا.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.