سأحرق مقر المخابرات لأنزل السوق سعيداً

“أتخيل نفسي أحياناً متجولاً في الحارات القديمة لمدينة حماة، الأضواء خافتة، أسمع أصوات نواعير العاصي. كنت أعتقد بأن أصوات النواعير (الآرامية) مزعجة، لكنني اليوم أشتاق اليها وأراها جميلة”. كان محمد صافي (٢٤ عاماً) طالب هندسة مدنية سنة أولى عندما اندلعت الثورة، و”تبدلت حياتي بشكل كامل من دراستي لمنزلي ومهنتي، حتى انسانيتي ماتت من الأهوال التي رأيتها”.

حياة هذا الشاب أشبه بخريطة لتراكمات القمع على مدى عقود، ومثال على انتقال التجربة شفوياً من الأجداد إلى الأبناء والأحفاد. في حارته القديمة، وُلد محمد في منزله على يد داية كغالبية أبناء المدينة. كان ذلك بعد سنوات عديدة على انتفاضة عام ١٩٨٢ والمجزرة التالية (٣٠ ألف قتيل)، لكنها، ورغم الفارق الزمني بين ولادته ووقوعها، لعبت دوراً مصيرياً في حياته، وزجته تلقائياً بالثورة. “أكبر أفراد عائلتي اليوم هو جدي، ٧٠ عاماً. إلا أن بينه وبين بقية أفراد العائلة فارق عقدين من العمر”، يتابع محمد، “جميعهم أُبيدوا عام ١٩٨٢”. دخل الجد السجن ٨ سنوات، دافعاً أبناءه المتبقين على قيد الحياة، إلى سوق العمل، ما حرمهم من فرصة الدراسة. في حياة محمد وأشقائه وشقيقاته وأبناء وبنات عمه، لعب الجد دور الراوي، يُخبر الأحفاد عن قمع الانتفاضة، ينحت في مخيلات الصغار قصصاً عديدة عن وحشية النظام. حاكت هذه الروايات انطباعات الأحفاد حيال السلطة. عندما دخل محمد للمرة الأولى الى مؤسسات الدولة، لم يحتج لوقت طويل حتى يشعر “بالتمييز الطائفي” والمعاملة الفوقية المهينة.

هذه الروايات صقلت مزاجه وعلاقته بالنظام، وراكمت التجارب عبر الأجيال حتى “تفجر الاحتقان عند انطلاق الثورة”. “لم يحتج سكان حماة الـ٨٠٠ ألف الى اقناع، كُنا جميعاً ننتظر هذه اللحظة”، يقول محمد. انطلقت التظاهرة الأولى في ٣١ آذار (مارس) عام ٢٠١١، وفيها ٤٠ حموياً خرجوا من مسجد عمر بن الخطاب في حي طريق حلب، اعتُقل عدد كبير منهم. في شهري نيسان وأيار، “سقط أول الشهداء في حراك مدينة حماة”، وانضم بعدها محمد إلى التظاهرات والثورة، وما زال في قلبها حتى اليوم، ناشطاً إعلامياً مع الثوار في زمني السلمية والسلاح. والمدينة المحافظة عموماً لم تتحمل بنسيجها الاجتماعي المتماسك سقوط قتلى وجرحى، فانفجرت بحراك ضخم تجاوز التوقعات، ومر بمراحل عديدها كان آخرها مسلحاً. الفارق بين أهالي حماة وبقية الثوار، يرى محمد، “أننا كُنا نعرف طبيعة هذا النظام، وبأن السلمية لن تكفي لإسقاطه. واليوم، يُشكل المقاتل الحموي جزءاً أساسياً من التشكيلات العسكرية، إذ انضمت غالبية الثوار السلميين الى القوى المسلحة”. في نهاية نيسان (أبريل) العام الماضي، وقع ١٩٦ جريحاً في معركة حي طريق حلب حيث نشط هذا الشاب الحموي في الإغاثة الطبية. كانت سيارات السوزوكي تنقل الجرحى على دفعات، تُكدس كل عشرة منهم فوق بعضهم بعضاً. “رأيت أصدقاء لي وجيراني يتدفقون إلى المشفى مضرجين بدمائهم، حتى بائع الخضار في حينا لم يسلم وقتها”، وفقاً لروايته.

لم يتوقف عن البكاء طوال ذلك اليوم. بعد يومين، انقطعت المواد الطبية، وذهب إلى أحد المخازن لتأمين ما يلزم لإسعاف المصابين. لاحقه ٣ جنود، وأطلقوا النار عليه، فأُصيب في ساقه، لكنه واصل الفرار. “كنت أسابق الزمن لأُخفي هاتفي الجوال وفيه تسجيلاتي ومفاتيح منزلي كي لا يسألوني عن عنواني وينال أهلي نصيبهم من عقاب النظام”، يروي محمد. وصل الجنديان إليه وصرخا في وجهه يسألانه عن سبب فراره منهما، فادعى اعتقاده بأنهما “يبدوان من الجماعات المسلحة”. عثرا في حوزته على ٣٠ ألف ليرة أرسلها والده مصروفاً اليه، فقررا عدم العودة للقيادة بإسمه لئلا يُضطران الى اقتسام المال مع أحد. يومها، أعد شباب “الحر” هوية مزورة له سريعاً، وأودعوه المستشفى حيث عُولج. بقي متخفياً في المدينة شهرين، ثم غادر في تموز عام ٢٠١٣ إلى الريف. الريف بقي غُربة.

محمد كان ناشطاً اعلامياً مع الجيش الحر في مدينة حماة حيث صور عملياته، لكن عند سقوطها بعدما حاصرها النظام بقوة عسكرية كبيرة جداً، ما حدا بالجيش الحر إلى اتخاذ قرار بالانسحاب نتيجة غياب امدادات الذخائر”. الريف مختلف اجتماعياً وعمرانياً، يلاحظ محمد. يشتاق للأسواق وللأصوات، “وما يؤجج شوقي وحرقتي، أنني، عندما أنظر من أعالي الريف إلى مدينتي، أراها وأراقب أضواءها ليلاً. لا أستطيع أن ألمسها وأن أسير في شوارعها وأسواقها وأتحدث الى ناسها”. جلّ ما يراه الطائرات القادمة من مطار حماة لقصف الريف. “أشعر بالغربة خارج حماة لأن فيها بساطة بين الناس ويرتاح الواحد منا نفسياً بمجرد المشي بين الناس. في الريف، هذا الأمر غير موجود. يبقى الحنين كامناً فينا. حتى الآن، أتخيل كيف أمشي في السوق، وقرب العاصي، حتى صوت النواعير المزعج أشتاق اليها كثيراً، ولا يشعر الانسان بأهمية ما لديه إلا عندما يفقده. وأنا فقدته. يحلم بالعودة لمدينته، سيما بعد سيطرة “الجيش الحر” على مدينة مورك والطريق الدولي واقترابه من فتح جبهة حماة.

“أول دخولي اليها سأذهب مباشرة الى فرع المخابرات الجوية في حماة لأضرم النار فيها وأشاهده يحترق. بعدها، سأنزل إلى السوق”.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.