عن حربنا الأهلية وقانون العفو: الميليشيات صارت في كل مكان

“أنا شخصياً، بإسم الدروز، أتحمل مسؤولية المجازر التي حصلت بحق بقية الطوائف، والمسيحيين خاصة. ولذلك أطالب بمحاكمتي والآخرين، وما من زعيم في لبنان اليوم يستطيع أن يقول إنه بريء من دم الأبرياء، إلا واحداً هو زعيم ماروني وطني اسمه ريمون ادة. أما كل الزعماء الآخرين هم بشكل أم بآخر مجرمون بحق الأبرياء. لذلك إذا كان لا بد من الوصول إلى حل سياسي عادل في لبنان، لا بد من محاكمة الجميع والاقتصاص من الجميع، وإلا نبقى في دوامة الحروب الأهلية اللامتناهية”.

لم تتكرر كلمات وليد جنبلاط على ألسنة عديدة في لبنان، ولم يُحاكم  سوى من اختلف مع نظام الوصاية السورية في السياسة والحصص، لا على تركة الحرب وفظاعاتها. بل ما حصل هو الخيار الثاني في كلام جنبلاط، أي بقاء لبنان في دوامة الحروب الأهلية اللا متناهية نتيجة تجاوزنا العدالة الانتقالية ودخول الميليشيات الى مؤسسات الدولة. لكن يبقى السؤال هو لماذا، بعد أكثر من ٢٠ عاماً على نهاية حربنا الأهلية وإقرار قانون العفو، ما زال تهديد الحرب الأهلية قائماً؟

البديهي في كلام جنبلاط عن الرابط بين ديمومة الصراعات اللبنانية وعدم محاسبة أباطرة الحرب، أن العنف وضحاياه المدنيين سيبقى مباحاً لغايات سياسية أو ربما حتى ريعية بحتة، أي للإفادة من مخصصات إقليمية. ولا يستثني أو يُلغي هذا الطرح أسباب الصراع، الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية، إنما يُحمّل صناع القرار تبعات للعنف والارتكابات بحق المدنيين، كي لا يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لتكرار المآسي. وبهذا، فإن الربط بين عدم المحاسبة في زمن الحرب واللا استقرار، ليس مبنياً على تأويل تبسيطي وتعميمي للحروب وأسبابها، لكن على متطلبات العملية الانتقالية السليمة من الحرب إلى السلم، ومن سيادة الميليشيات الى دولة القانون والمواطنة. لذا فإن هذا النقاش أو الطرح غير معني أساساً بروايات الحرب، ونظريات التدخلات الخارجية والتبدلات الاقتصادية – الاجتماعية والكراهية الطائفية وغيرها، بل يدور حول علاقة غياب العدالة الانتقالية بسهولة اللجوء إلى العنف في السياسة وبديمومة الصراعات وبخنق التنافس ومأسسة ديكتاتوريات الميليشيات والتوريث العائلي، وهي سمة مشتركة بين كل الطوائف والجماعات والأطراف

عدسة رمزي حيدر

عدسة رمزي حيدر

سياسة بلا أخلاق

إقرار قانون العفو نهاية الحرب الأهلية أسس لاستيلاء الميليشيات على المناصب الرئيسية في الدولة، وإعادة توزيع المناصب فيها بالشراكة مع سلطة الوصاية السورية. فجأة، بين ليلة وضُحاها، شاهد اللبنانيون زعماء الميليشيات وأباطرة الحرب، سكان الحواجز وأصحاب الخوات، مجرمين وسفاحين ونصابين، باتوا في مناصب رفيعة المستوى. هذه المكافأة لمن ارتكب في الحرب شكلت نكسة في الأخلاق أولاً، كان لها تبعات معنوية واجتماعية كبيرة، وفي ضرب علاقة المواطن بالدولة، كونها رمزاً لهذه المعادلة الوقحة ومقراً لنفوذها، فباتت الدوائر والكليات معاقل ميليشيوية. والميليشيات بسلوكها ليست عبثية، بل كل ما ينتج عنها متماسك في تغليبه عصبية الجماعة على أي عصبية أو هوية أخرى. والولاء للجماعة وزعيمها الأوحد يتفوق على أي مضمون أخلاقي، وتوزع المكاسب والخدمات دون أي حساب للمصلحة العامة، لإشاعة الفساد وشراء المحسوبيات. وعلى رغم أن نفوذ الميليشيات في الدولة اقتصر غالباً على حركة “أمل” والحزب التقدمي الاشتراكي وميليشيات صغيرة أخرى، إلا أن السلوك العام بات قاعدة تتحكم ببقية الطوائف. النفوذ المتنامي لتيار “المستقبل” في الدوائر الحكومية اتخذ منحى مشابهاً. فالمؤسسات في علم السياسة تشرع وتضع القوانين وتصقل آراء المواطنين في معاملاتها اليومية، ترسم أمزجتهم وانطباعاتهم، وتنعكس على علاقاتهم في ما بينهم، أفراداً ومجتمعات. والميليشيات مفترسة في أخلاقها، تهدف للربح السريع والمنافع الخاصة لا العامة. هكذا تُهدم الآثار والمدارس التاريخية لمشاريع عقارية تؤمن الربح السريع للميليشيات، ويصير الفساد في المعاملات اليومية، من استصدار رخص القيادة وإجراء دفع الضرائب والرسوم العقارية، القاعدة. هذا التعميم للفساد والشلل العام وفقدان الخدمات وثقافة الربح السريع أنتج حالة من الإحباط العام تعيق أي تحرك ليصير حكمه إجمالاً التشاؤم والتشكيك.

خنق التنافس

أساس السيطرة على أي شعب، يقول السياسي البريطاني طوني بن، اشاعة الاحباط والخوف. ودخول الميليشيات إلى الدولة غلب الولاء للأولى وطمس نفوذ الثانية. هكذا يخشى الواحد منا اهانة الميليشيا ورموزها لكن شتيمة الدولة لا تقدم ولا تؤخر، وباتت فولكوراً. إلا أن إشاعة الإحباط لا تكتمل سوى بإزاحة أو خنق أي تنافس من داخل الطوائف. رئيس المجلس النيابي، مثلاً، لم يتبدل منذ أكثر من ٢٠ عاماً، وهذا للدلالة على أن تغيراً ضئياً قد طرأ على الطبقة السياسية منذ قانون العفو، باستثناء تمدد نفوذ “المستقبل” و”القوات” و”الكتائب” اثر خروج القوات السورية عام ٢٠٠٥.

هذا البقاء المديد، رغم الفساد المستشري والأداء الخدماتي الهزيل، جاء نتيجة مباشرة لتوزيع آلاف الوظائف اعاشات انتخابية على المحسوبين، والسيطرة شبه المحكمة على وسائل الاعلام، وتوفير الخدمات بدلاً عن الدولة وبأموال خارجية، حزب الله مثالاً. في ظل هذه السيطرة الشاملة، والإحباط العام، من الصعب تخيل ردود فعل شعبية حيال أي شيء، من انقطاع الكهرباء الى الغلاء واستخدام العنف ودماء الأبرياء وسيلة لغايات سياسية. حرب طرابلس التي راح ضحيتها مئات المدنيين منذ عام ٢٠٠٥، انتهت اثر توافق ايراني-سعودي-أميركي. فجأة اختفت الميليشيات والحساسيات المذهبية التي بدت قبل ساعات فقط وكأنها لعنة أبدية.

عندما انتهت الحرب الأهلية قبل أكثر من ٢٠ عاماً، خرج أهالي الضحايا، وهم ضحايا أيضاً، يتوقعون إما الاقتصاص أو أقل الإيمان الخلاص من ميليشيات حولت حياتنا جميعاً. بعضهم رفع دعاوى أمام المحاكم. لم تمر بضعة سنوات حتى احتلت الميليشيات حيزنا المدني والعام أيضاً، فصارت الصحافة والدولة والوظيفة والمستشفى والمستوصف والمسجد والكنيسة وتاجر العقارات والعقاقير، دون أن تفقد قدرتها وحقها الممنوح بموجب قانون العفو، على استخدام العنف متى شاءت. بحسب توصيف أحد أباطرتها، دخلنا بقانون العفو “دوامة الصراعات اللا متناهية”.

Facebook Comments

قانون العفو أسس لدخول الميليشيات الى جميع مناحي الحياة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.