عن سعدي حمره، الرجل الذي لم يعرف الظلام

سعدي حمره كان سجيناً في عراق صدام حسين نهاية الثمانينات، محكوماً بالمؤبد بتهمة إجراء حوالة مالية. “فاز” بالمؤبد، إذ حُكم الحوالة كان الإعدام، بعدما قال ناقل المال (المحكوم بالاعدام) في اعترافاته إن التحويل جرى دون علم سعدي. كان فعل خير من رجل ماض إلى حبل المشنقة. أمضى سعدي (أبو رشدي) في السجون أكثر من ٤ سنوات، لكنه كان يعرفها بالساعات والدقائق. فهو، وإن فقد بصره منذ الصغر، مولع بعلم الحساب، وحقق في مجالي التجارة والصناعة النجاح تلو الآخر حتى بات أحد أثرى أبناء جيله رغم القمع والمصادرة. خلال فترة سجنه في العراق، اكتظت الزنزانات بالمحكومين بالمؤبد. لمعالجة هذه الأزمة، خصصت ادارة السجون يوماً أو اثنين بالأسبوع لتعديل أحكام المؤبد ورفعها للإعدام.
لم ينم سعدي ورفاقه بالسجن ليال طويلة وهم يتفكرون بمصائرهم. كان الوقت يمر بين مواعيد تعديل الأحكام، كالسكين بين شرايين المسجونين. وقع لغط مرة في السجن، بعدما لمح أحد الحراس اسمه على وثيقة اعدام. كانت ساعات طويلة من الرعب لسعدي، حتى اكتشف الحارس خطأ ارتكبه في قراءة الاسم نتيجة بعض التشابه. خرج من السجن بعفو عام، وغادر العراق إلى لبنان. التقيته للمرة الأولى في بيروت قبل ٢٠ عاماً. ثم أمضيت معه ساعات طويلة نهاية التسعينات خلال كتابة بحثي الجامعي عن العراق. كنا نلتقي في قهوة غلاييني. وخلال هذه الجلسات، كنت أخجل أثناء سؤالي له عن تجربة السجن واصابته بفقدان البصر، فأحاول الالتفاف على الموضوع، حتى أمسك بذراعي وقال “مهند، أنا لا أخجل من حالتي”. بعد لقاءاتنا الطويلة، واصلت زيارة سعدي في المقهى كلما سنحت الفرصة. كان الرجل ساحراً بقدرته على التفاؤل، ويّذكر بمقولة جوزيف فرانكل عن “آخر حريات الانسان”، حرية اختيار ردة الفعل. كانت ردة فعل سعدي حمره دوماً “انهض وابدأ مجدداً”. وداعاً أبو رشدي
Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.