حوار حول الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها

في سياق الحملة على الرئيس التنفيذي لـ”القوات اللبنانية” سمير جعجع، وقع حوار قصير بيني وبين الصديق هشام بو ناصيف، قررنا أن نوسع نطاقه بمقال له نشره في موقع ليبانون تايم، وهذه ثاني حلقات النقاش:

 

بداية، أفترض أن كلانا نسعى إلى دولة مدنية ديموقراطية يسود فيها حكم القانون وتحتكر العنف، وتضمن تداول السلطة وانتخابات نزيهة. إلا أننا نختلف في الطريق إلى ذلك. ترى خطاً طويلاً ممتداً من صراع  قوى اليمين المسيحي و(اسرائيل لاحقاً) من جهة، والحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية من جهة ثانية، مروراً بزمن الاحتلال السوري وتظاهرات ١٤ آذار. لا بل حتى تذهب أبعد من ذلك، في المقارنة بين الحربين اللبنانية والأميركية لجهة التشابه في الهدف السامي بين الجبهة اللبنانية والأميركيين الشماليين الساعين لإنهاء العبودية. هي مواجهة مستمرة بين من يقف مع السيادة، وبين من يريد لبنان مرتهناً لقوى خارجية. وفي هذه الرؤية، دعوة الى الانخراط في الصراع الحالي إلى جانب القوات أو ١٤ آذار، بصفته يؤدي الى الهدف المطلوب أو على الأقل يزيل عقبة السلاح، وهي أولوية منطقية. إلا أن لدي شكوكاً في حقيقة الصراع ومداه، وأظهرت بعضها في مقال سابق أتمنى أن نناقش بعض نقاطه.

 

هناك أيضاً خلاف رئيسي في رؤيتنا الماضي، علينا حله قبل الانطلاق إلى النقاط الأخرى. ففي قراءة سريعة جداً للحروب الأهلية، ألمحت الى استنتاج ضمني بأن الغاية تُبرر الوسيلة، لجهة ارتكاب كل الأطراف انتهاكات بحق المدنيين، إلا أن الفارق الكبير بينهما يكمن في الهدف السيادي. وفي هذا سجال طويل، أولاً بإعتبار أن قتال “الجبهة اللبنانية” كان بمثابة حرب تحرير وطنية من الفلسطيني الأجنبي. وهذه العبارة تقفز فوق حقائق تاريخية واقتصادية وسياسية عديدة. يحمل “الوطن” و”الوطنية” أكثر من تأؤيل. كان طرفا الصراع في لبنان يعتبران أنفسهما “وطنيين” بهذا المعنى. ولو كان القتال إلى جانب الأجنبي حاسماً في تحديد الوطني من غير الوطني، فلماذا قاتلت الجبهة اللبنانية مع اسرائيل وسهلت غزوها عام ١٩٨٢؟ وإذا كان هذا الموقف مرحلياً، فللحركة الوطنية حجج مماثلة في قتالها عام ١٩٧٥. ميليشيا “الكتائب اللبنانية” مسيحية وذات جذور فاشية وتؤمن بالدور القيادي المهيمن للمسيحيين في بلد متعدد الطوائف، فهل القتال في صفوفها عملاً نضالياً وطنياً؟ هذه أسئلة لا أعتقد بأن الجواب عليها سيكون شافياً أو قاطعاً بأي حال.

 

النقطة الثانية التي أرغب في الوقوف عليها تتعلق بنا كمواطنين في زمن الحروب. أن تكون المجازر كالسبت الأسود والدامور والكرنتينا وصبرا وشاتيلا والأونيسكو ومذابح الجبل والقصف العشوائي على المدنيين، حدثاً عابراً في سياق معارك تحرير وطني لا نرى نهاية لها، أمر يبعث على القلق. وفي ظل فضائح الممانعة في سوريا اليوم، أعتقد بأن التلطي وراء الشعارات لم يعد سهلاً. هناك مجرمون في الحرب، وهؤلاء باتوا يُحاسبون بعد الحرب العالمية الثانية، ومن حقنا المطالبة بمحاسبتهم في لبنان. لا بل إن محاسبتهم شرط أساسي للانتقال من زمن الحرب الى السلم، وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة بعد تفكيك بنية الميليشيات داخلها.

 

والسجال حول المسؤولية عن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية واستمرارها لا ينتهي. ولم يعد ذا فائدة سوى في الدلالة على أن تبعات الحرب وكلفتها الباهظة بشرياً ومالياً وتنموياً تفوقان بمراحل ما انتهت اليه سياسياً. كما أن تبدل مواقف الأطراف المشاركة في الحرب وولاءاتها على مدى ١٦ عاماً، وانتقال العنف إلى داخل الطوائف نفسها، يؤشران الى أن السياسة والمبادئ فيها لم تكونا ثابتتين. الثابت الوحيد هو ديمومة الصراع والحرب والصفقات في ما بينهما بإشراف الرعاة الإقليميين وإدارتهم.

روابط سابقة ومرتبطة بالنقاش:

انتخابات بلا منافسة

الطريق مفتوح لملاحقة مجرمي الحرب 

عن حربنا الأهلية وقانون العفو: الميليشيات صارت في كل مكان

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Copyright © 2013.